القائمة إغلاق

دراسات ومقالات هيئة الإفتاء الشرعي في القيادة العليا للجهاد والتحرير الدراسة الثانية (حكم إنفاق المال في سبيل الله)

 

(الدراسة الثانية)
حكم إنفاق المال في سبيل الله


دراسات ومقالات 
هيئة الإفتاء الشرعي
في القيادة العليا للجهاد والتحرير
(الدراسة الثانية)
حكم إنفاق المال في سبيل الله

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد
فمن سنن الله تعالى في خلقه أن جعل المال من أسباب النصر والتمكين وأمر بالإنفاق في كتابه المجيد وأثنى على كل من أنفق في وجوه الخير لا سيما الإنفاق لأجل الجهاد، لأجل إعلاء كلمة الله تعالى وتحرير أرض المسلمين مبتغيا بذلك وجه الله تعالى، فذكر تعالى فضلا عظيما للمنفق في سبيله بقوله: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) (البقرة:262)
يقول الإمام الرازي رحمه الله: ((نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية)) التفسير الكبير ج7/ص40، 
ونحن نقول اليوم :
(اللهم ارض عن كل من جهز جيوش الإيمان وأعانهم وسلحهم وأنفق على ذوي الشهداء والأسرى ، اللهم أعطه ما أعطيت لسيدنا عثمان وسيدنا عبد الرحمن رضي الله عنهما) 
ويقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ((… (ولا خوف عليهم) أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة (ولا هم يحزنون) أي على ما خلفوه من الأولاد ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك)) تفسير ابن كثير ج1/ص319 . 
يؤخذ من الآية المارة أن من أنفق في سبيل الله تعالى له ثلاث مزايا عظيمة: 

الأولى 
أنه ثبت له الأجر عند الله تعالى ، بل تعهد له جل في علاه بالأجر وهذا من عظيم منه وكرمه.

الثانية
ذكر تعالى أن المنفقين لا خوف عليهم فهم لا يخافون يوم يخاف الناس سيجعلهم ربهم في مأمن لا يخافون عند الموت ولا يخافون في قبورهم ولا يخافون يوم الفزع الأكبر ولا يخافون عند السراط عندما تمر الحشود على متن جهنم ، ينزع عنهم ربهم الخوف في هذه المواطن كلها فهنيئا لهم. 

الثالثة 
لا يحزنون أبدا فهم لا يحزنون لفراق الأحبة عند الموت لأن الله تعالى سيعوضهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر والقرآن يفسر بعضه بعضا فهم من جملة الذين قال عنهم تعالى في سورة الأنبياء: ((لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)) (الانبياء:103) ، فهل بعد هذا الفضل فضل وهل بعد هذا العطاء عطاء. ويقول جل في علاه في سورة البقرة أيضا ذاكرا فضل المنفق في سبيله ومؤكدا وعده لهم بالصفات نفسها: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) (البقرة:274) ثم نجد أن الباري جل في علاه يبين حقيقة الأمر لنا ويذكرنا أن ما ننفقه في سبيله في الحقيقة ليس ملكا خالصا لنا بل هو مما رزقنا إياه ربنا ولذلك جاء في أكثر من موطن في القرآن الكريم ((وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) فمن ذلك:
أولا: قوله تعالى : ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) (البقرة:3)
ثانيا: قوله تعالى : ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) (السجدة:16) ثالثا: قوله تعالى : ((وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) (الشورى:38) 
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان فقال أبو بكر هل على من يدعى من هذه الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها قال نعم وأرجو أن تكون منهم)) سنن النسائي الكبرى ج3/ص32
وعن أبي مسعود (رضي الله عنه) : ((أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة)) سنن النسائي الكبرى ج3/ص33 ، والخطام كل ما وضع في أنف البعير ليقاد به والجمع خطم .
ومن هنا أيها المؤمنون الشرفاء ندعوكم للإنفاق في سبيل الله تعالى في هذه المعركة العظيمة التي تكالبت فيها علينا الأمم معركة الكفر مع الإسلام نريد أن نطمس العدو أكثر وأكثر في هذا المستنقع ونحمي بلدنا وباقي بلاد العرب والمسلمين ندعوكم لأن تجعلوا زكاتكم وما تتطوعون به من صدقة أو كفارة في سبيل الله تعالى خدمة للجهاد ولأهله فلا يوجد اليوم باب أعظم من الجهاد لننفق المال فيه نتبرع بالمال للمجاهدين المرابطين لجمع السلاح وشراءه باذلين الغالي والنفيس من أموالنا الخاصة لتأمين متطلبات ديمومة مسيرة الجهاد والتحرير ونجمع بدورنا التبرعات العينية والمالية للشهداء والجرحى والمعوقين والأرامل واليتامى ولنقتد بأولئك الرجال العظام من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ، 
هل عجزنا اليوم أن يكون أحدنا مثل سيدنا عثمان بن عفان ذلك الرجل المنفق في سبيل الله تعالى يقول العلامة علي الحلبي: ((وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل الى أن طلع الفجر رافعا يديه الكريمتين يدعو لعثمان بن عفان يقول اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه)) السيرة الحلبية ج3/ص100، 
أم أين نحن من أبي بكر وعمر ، يقول الحلبي: ((وكان أول من جاء بالنفقة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جاء بجميع ماله أربعة آلاف درهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أبقيت لأهلك شيئا قال أبقيت لهم الله ورسوله وجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أبقيت لأهلك شيئا قال النصف الثاني وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه بمائة أوقية)) السيرة الحلبية ج3/ص100، 
تصوروا لو أن سيدنا أبا بكر وعمر وعثمان كانوا اليوم معنا في هذه الحرب وهم يرون ما يفعله المحتل بنا وببلدنا يهين المسلمين يعتدي عليهم يداهم بيوتهم في منتصف الليل ويدخل يرعب الصغار ويضرب النساء ويعتقل الكبار وفي كثير من الأحيان يعتقل النساء الضعيفات اللواتي لا حول لهن ولا قوة ما كانت ستفعل غيرة صحابة النبي عليه الصلاة والسلام يا ترى ؟ فأين نحن من ذلك كله؟
ويقول رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((من أَعَانَ مُجَاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ أو غارما في عُسْرَتِهِ أو مُكَاتَباً في رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ الله في ظِلِّهِ يوم لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ)) مسند أحمد بن حنبل ج3/ص487 ، ألا تحب أن يظلك الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.